“لكن يا مريمة أعرف أنني أبدو هادئًا جدا.. لكن ما نفع أن أكون هادئًا من الخارج، وفي رأسي عشرات الأفكار التي تتنازعني طوال الوقت؟.. لن أكذب عليك، نعم سأُفضل أن أُوصفَ بالهادئ على أن أُوصفَ بالثرثار أو الصاخب مثلًا.. لكن بحق الله هل كان الناس ليمتدحوا هدوئي المفرط لو اطلعوا لخمسةِ ثوانٍ على ما يدور في ذهني لحظةَ وصفهم لي ب”هادئ”؟
من الأمور التي تدفعني للجنون، عندما يظن الناس من حولي أنني غيرُ مهتمٍّ بما يقولون فقط لكوني لا أتحدث معهم عنه.. أعي تمامًا أهمية أن أتفاعل مع الآخر عندما يتحدث معي لكن إذا كان هذا الآخر شخصًا أتعاملُ معهُ يوميًّا مثلًا وهو يتحدث كثيرًا فسيبدو أمر أن أتفاعل معه دائمًا وأظهر اهتمامي في كل مرة يفتح فمه للحديث فيها مُتعِبًا جدًّا.. خصوصًا إذا تصادف وقتُ حديثه بوقتٍ لا أريد التحدث فيه مع أي أحدٍ وعن أي شيء.. بالإضافة إلى أني أكره أن أكون متصنعًا إلى حد بعيد جدا.. بل أني كنت مرةً أفكر بالأمور التي أكرهها وأحاول أن أرتبها بحسب درجة كرهي لها وانتهيت إلى أني أكره المزيفين والزيف والتزيف والتزييف وكل شيء من هذا القبيل في الدرجة الأولى.. كما أنني لا أدخر جُهدًا بإظهار وحتى قول أني غير مهتم عندما يدور الحديث عن أمور لا تهمني حقا، أو لِنَقُل لا تهمني في تلك اللحظة على الأقل.. فأنا مثلًا قد أكون مستعدًّا للحديث معك لليلة كاملة عن الأبراج وقراءة الفناجين أو شيء كهذا بل أستطيع أن أكون منصتًا بصدق وأقوم بطرح أسئلة جدية وليست ساخرة كما أفعل كثيرًا مع مواضيع كهذه.. بينما قد لا أجد متعةً في الحديث عن أكثر الأمور تشويقًا بالنسبة لي في الليلة المقبلة أو حتى الصباح المقبل.. الأمر ليس مُتعلقًا بالموضوع بل هو متعلق بمدى رغبتي بالحديث في تلك اللحظة، هل تفهمينني؟
لقد قلتِ لي ذات مرة أنني يجب أن أتوقف عن الإفراط في التفكير عندما نخرج للتنزه.. أتذكر حديثك جيدًا لأنني كنتُ في تلك اللحظة أنظر لزهرة عباد الشمس وأنا مستغرب من كونها لا تنظر للشمس.. فأنا أذكر أنني قرأت هذا في مكانٍ ما؛ أن أزهار عباد الشمس تتبع الشمس دائمًا.. أليس أمرًا مضحكًا أنك طلبتِ مني عدم الإفراط في التفكير في اللحظة التي كنتُ أتساؤل فيها داخل رأسي ما إذا كانت أزهار عباد الشمس حقا تتبع الشمس أم أن هذه خرافة أيضًا.. أقسم بالله أنه أمر مضحك.
أحيانًا أفكر كثيرًا لدرجة أني أبدأ بسؤال نفسي: هل سبق لي أن توقفت عن التفكير طيلة حياتي؟.. أنا أعني هذا السؤال حقًا.. فأنا لا أتذكر أبدًا أني توقفت عن التفكير منذُ وقتٍ طويلٍ جدا.. ربما منذُ بدأت بالتفكير.. لا أذكر كم مضى من الوقت على اللحظة التي بدأت أفكرُ فيها.. أقصد بحق الله كيف للمرء أن يتذكر متى بدأ بالتفكير على أي حال؟.. ربما منذُ حوالي عشرة أعوام؟ أو عشرين؟ لا أعرف مريمة لا أعرف.. ما أعرفه جيدًا أنني وبلا شك لم أتوقف عن هذه العادة الملعونة منذ بدأتها.. دعيني أكون دقيقًا هنا، إنها ليست ملعونة بشكل سلبي؛ إنما هي ملعونة بأنها أبدية أي أنها لا تستريح مثلًا أو تأخذ استراحة كما تفعل العصافير عندما تقف على أغصان الأشجار.. حسنًا في الحقيقة لست متأكدًا من ما إذا كانت العصافير تأخذ استراحة عند وقوفها على أغصان الأشجار أو أنها تقف لغرض آخر.. لكن، وسأكون صريحًا جدا في قول هذا، إن كان هنالك أي سبب آخر لكون العصافير تتوقف عن الطيران غير أنها تريد أن تستريح، فلابد أن العصافير كائنات حمقاء وغبية جدا.. أقصد من يستطيع أن يطير ثم يتوقف ليفعل أي شيء أبله آخر؟
حسنًا يا مريمة، سأخبرك بأمر أردت إخبارك به منذ زمنٍ بعيد.. هنالك شعور بالتعب يجتاحني منذُ فترة طويلةٍ جدا.. لا أعرف تمامًا كم مضى من الوقت وأنا أشعر بهذا التعب، لكنه وقتٌ طويل بلا شك.. أظن أنك تقولين لنفسك الآن أنني سيئ جدا في تقدير الزمن.. وأنا فعلًا سيئ جدًا في هذا.. بل أنا سيئ في تقدير أي شيءٍ يُعبر عنه بعدد.. المهم.. لقد مضى وقتٌ طويلٌ جدا على هذا التعب.. إياكِ أن تشعري بالأسى أو الشفقة نحوي فهذا يشعرني بالغثيان.. بحق الله يا مريمة كيف يشعر الحمقى الذين يلعبون دور الضحية دومًا؟ أقصد كيف لا يشعرون بالغثيان من فكرة وجود شخص ما يشعر بالشفقة نحوهم؟.. أقسم بالله أن البشر يفعلون الكثير من الأمور البلهاء.. أحيانًا أفكر أن الأرض يجب أن تُصاب بنيزك وننقرض جميعًا كما حدث مع الديناصورات وإلا سنستمر باختراع أكثر الأفعال بلاهةً وإثارةً للغثيان وفعلها دومًا..
في الحقيقة أنا لم أخبركِ بتعبي إلا لأني أردت أن أقولـ…
حسنًا لقد انقطعت الكهرباء عندما كنت أكتب رسالتي ونسيت ما كنت أريد قوله بالنهاية.. إنكِ لا تتوقفين عن سماعهم يتحدثون عن إرسال الناس للعيش في المريخ ونحن لم نستطع العيش على الأرض بعد.. أليس من الأَولى أن نحل مشكلة انقطاع الكهرباء في العالم قبل أن نرسل الناس إلى المريخ؟
ملاحظة: أرجو أن تقومي بإرسال رسالتك المقبلة إلى منزل جارتنا العجوز صفية.. فعمّي كثير الاستفقاد لصندوق البريد وأخشى أن تقع يده على واحدة من رسائلك فلا يسلمها لي لأنه يتصرف كوغد أحيانًا عندما يتعلق الأمر بصندوق البريد خاصته.. بالإضافة إلى أني تحدثت للعجوز صفية عنك وهي تعرف بأمر الرسائل التي ستصلها..
مُخلِصُك،
سُفيان”
***
– هذه إحدى الرسائل ولعلي أقرأ عليكَ غيرها في وقتٍ لاحق، حسنًا؟
يُكمل من غيرِ أن ينتظر جوابا
– وحاول أن لا تسأل أي أسئلة متعلقة بمحتوى الرسالة.. أقصد بحق الله كيف لإنسان أن يعرف بماذا كان يفكر قبل عشرين عاما؟
