مرحبًا ٢٠٢٣

عامٌ آخر يمضي، وآخرُ يُقبل، وسيرٌ مُستمرٌّ فيما تُحب وما لا تُحب. تود لو تتوقف قليلًا عن كل هذا، لكنه الواجب مرة، والعُرف مرة، ودعوةٌ من فم أمك تسترضي بها أيامك الباردةَ مرة، وربما، أقول ربما، جهلٌ بمآلات الأمور وتدابير الحياة مرات ومرات.
تحسبُ أنك مُثقلُ المدينةِ الأوحد، تجلسُ في مقهىً يخلو من كل شيء سوى قهوة جيدة، وكعكٍ سيئ، ونادلٍ جاء من بلادٍ بعيدة، دونها آلاف الأميال من الدروب والحنين، ليسكبَ لك كوب قهوتك، ويعود بالريالات لعجوزٍ لم يفارق اسمُه دعواتها منذُ رحل قبل عامين. تأخذ كوب القهوة، قد تبتسم له إذا كُنت في مزاجٍ جيد، وقد لا تنظر إلى عينيه إذا كان جدولكَ العظيم مزدحمًا يومها. ما رأي جلالتك أن تبتسم له في كل يوم؟ عدمناك وعدمنا جدولك المُزدحم.

أخرجُ متهندمًا، كما يليق بمن ضربَ موعدًا مع أنثى فاتنة، ألبس ساعةَ المعصم الجلدية، من اخترع ساعات المعصم الذكية قبيحة الشكل؟ الموعدُ معروفٌ منذ زمنٍ مديد، أفكر كم من الوقت مضى على أول موعد، سبعُ سنوات ربما؟ يظل كما هو. أهل الأرض يعدّون عكسيًّا ليستقبلوا عامهم الجديد بالقُبل، وأنا أجلس في مقهىً عشوائي أستقبل أعوامي الجديدة كلها بالكتابة. أقصد وجهتي المحددة سابقًا لهذا العام وأنا أسمع لعبد الحليم يخبرني بأنه لو كان يعرفُ أن الحُبّ خطيرٌ جدا لَمَا أحب. حليّ بهذا الطقس الرتيب أن يبدأ بمغازلة الكلمات عني كي تنساب بسهولة. أفتح مخيلتي الصغيرة، أفكر كيف تجيء هذه الحروف؟ لماذا تجيء أحيانًا وتمتنع أحيانًا؟ أفكر كيف أرشوها؟ لا أملك سوى كوبٍ من القهوة. 

لأنك مُسافر، يجب أن تكتب كمن يَبحثُ عن وجهته. ولأنك محب، يجبُ أن تكتب كمن يُراقص الكلمات. في الأولى تكتب عن عزلتك، ووجودك الوحيد. وبهذا فإنك تكتبُ عن آلاف الذين لم ينحسروا في محراب الكتابة، أو لم يغرقوا بعدُ في لهيبها، أو ينحرقوا في مائها. سيبصرون أنفسهم فيك. سيستبصرون لغدهم في رؤاك. سيفهمون حكايتهم عندما يقرؤونك. هذه معجزة الكاتب الحقيقية. العارف بخفايا أمورنا، المُطلع على ما نُسر ونعلن. من يُدرك لحظتنا التالية، من يخيفنا، ليس من فرط الدقة في توصيف أهوائنا، ولكن بقدر ما نعجز في مخيلاتنا عن العجب به، أو الانبهار منه. ذلك بأنه يخلّدنا عندما يروينا لنا، يُرينا صور أرواحنا الباحثة عن مرايًا لها، يُمسك بأيدينا ويمشي رويدًا رويدًا بنا إلى ظلل أنفسنا وسرائرها. لتعرف نفسك كما لم تفعل من قبل، ولن تفعل من بعد. وفي أن تكتب كمن يُراقص الكلمات، فخذها على مهل، وخاصرها، ودندن لوقع الحروف، وقبّل على غفلة كل بيتٍ في القصيدة على حدة. أن يرى من يقرأ لك الألوان في أيامه، أن يراك وأنت تصفه واهبًا حبيبةَ قلبهِ شمسَ الزاويةِ في رسمتهِ الطفولية، أن يسمع عطركَ الذي تلبسه، ويملأ صدره برائحة الأغنية التي تدندنها. 

***

أكتبُ إذًا لأنه ليسَ ثمة متسع من الوقت لأحكي الحكاية كاملة. لأنني لا أريد أن أنتظر الغد حتى أقفز من الفرح. أكتبُ لأنني أريد أن يشتعل في صدري الشغف بعد كُل شطر قصيدة لم أسمعه من قبل، أن أذوب من رقةِ وحلاوةِ أغنيةٍ جديدة، أن تتأجج رغبة اقتحام المسافة بين جنبي، وأن يمنع النبعَ عني الحياءُ الذي درجتُ في دروبه. أكتبُ لأن الحياة حُلوة وإن كانت تقسو أحيانًا، لأنني أريد أن أُطوَّق بأحاديث الأصدقاء، أن أتذكر دفء لقاءاتنا حول طاولات الخشب وأكواب القهوة، نكاتنا السخيفة التي لا يفهمها أحد سوانا، أحلامنا التي نطاردها، وملاحمنا الغرامية التي عشناها أو لم نعشها بعد. أكتبُ لأنني أريد أن تتوالى عليّ السنين من غير أن أخسرَ شغفي بمنظر الغروب كل مساء، أن يشتعل رأسي بالشيب من غيرِ أن يشتعل عقلي بالخوف من كل ما لا أستطيع فهمه. أكتبُ كي أحاصِر دهشة الطفلِ في صدري إلى الأبد.

أكتبُ للتخفف من كل ما تُلقيه على المرء أيامه ولياليه. لأنه ليس ثمة وقتٌ كثير لنضيعه في الحزن، لأن المشكلة ليست في وجود الأحزان، بل في تراكمها. أكتب لأن نحزن، ولأن لا نخاف من الحزن. أكتبُ لأن تتخفف من عبء التفكير، لأن تحرسَ إنسانيتك، لأن تستطيع مشاركة المرّ من أيامك وتُصالحَه، كما تشاركُ الحلوَ منها وتحتفي به.

أكتبُ لأن في الكتابة مُتسعٌ للخطأ، لأن الكلمات لن تحكمَ عليكَ بالضلال إن لم تعرف كيفَ تدافعُ عن نفسك، لأنها ستقبل اعتذارك في كل مرة. أكتبُ لأن مؤشر الكتابة في أول الصفحة سيبقى مكانه وإن لم تعرف ما عليك قوله، لأنه سيظل يختفي ويظهر ليُعلِمك بأنه ينتظرك وأنه سيفعل هذا دومًا. 

أكتبُ لكي أُخبرك بأن تُقبل جبين أبيك الليلة، وتُخبره أنك ترى أنه يُحاول، أنه أعظم أبٍ في الوجود، أن أحلى أيامك هي تلك الأيام العادية التي تبدأ بقُبلة على يده وتنتهي بقُبلةٍ على جبينه. أكتبُ لأن رائحة القهوة التي تصنعها أمك أحلى من عطور ديور وأشهى من بوظة ميلانو. أكتبُ لأنك تود لو أنه ليس عليك أن ترحلَ وتتركهما، لأن الأيام التي تمضي وهم بعيدون عنك هي أيامٌ ناقصة، وإن اجتمع لها كل ما في الأرض من مسرات. أكتبُ لأبيك وأمك، ولكي تحاول أن تكون فتى جيدًا من أجلهما.

أكتبُ لأن اليومَ الذي يمرّ من غير غزلٍ فيك هو يومٌ باهت، لكأن الأيام ما بدأت إلا بعد أن كتبتُ لكِ ليلتها. أكتبُ لأن عينيكِ الحلوتين تستحقّان المحاولة، ولأنني سأظل أُحاول.
أكتبُ للذكريات التي لم نعشها بعد، لأنني لا أريد أن أنقشكِ على رمال الكثبان، ولكن أن أَشِمَكِ على ظاهر الكفين وفي مآقي العيون. أكتب لأن الوشم يبقى، ونقوشُ الكثبان تفنى وتذهب. أكتبُ لأنني أريد لكِ أن تبقَي.
أكتبُ للصباحات التي لن تُشرق إلا بوجهك، لكوب القهوة الذي سنتشاركه، لخِلافنا عمن كان عليه الدورُ في جليِ الأطباق، للَيلِيَ الذي لن يكون ليلًا وأنت تبتسمين لي فيه، وللشمس التي سأرجوها أن تأتي بعدَ ألفِ سنة في حضورك. أكتبُ لأن تطبيق الطقس الغبي سيكذبُ عندما يخبرنا بأن الجو صحو، وعيناك تدمعان. أكتبُ لئلا نُصدق تطبيق الطقس.

***

مفتتح عامٍ جديد، فرصة أُخرى لنُصيب هذه المرة يا رفاق، لنكون الرمحَ القويم في كنانة هذه الأيام. عامٌ آخر، وسيرٌ مُستمر، وحكاياتٌ لتُعاش وتُحكى. وصفحاتٌ جديدةٌ في سجل العُمر لنكتب فيها جملنا الواضحةَ بخط جريء. طُرقٌ نمشيها، قد تُفضي أحيانًا إلى ما نود، وكثيرًا إلى ما لا نود.

أحلامٌ، وقصائد، وأغانٍ سيذكرني بعضها بك، والبعض الآخر سأكون حين سماعها سارحًا بأحاديثك. أكتبُ هذا من مقهىً، كانت أحلى من قهوته ولوحة فان جوخ المعلقة على بابه، ضحكتُك.

7 Replies to “مرحبًا ٢٠٢٣”

  1. لا سطر أكثر ولا سطر أقل، لا تعديل هُنا ولا هُناك.
    دائمًا لما أكتب، أقرأ ما كتبته وبالرغم من كثرة التعديلات أجد ما يُمكن تعديله بعد فترة! لا أعلم إن كنت تُعاني من نفس الهوس هههههه ولكن أقول لك أنك أبدعت وأحسنت في ما انتقيت في هذه التدوينة الرائعة.
    سنة سعيدة مليئة بالنجاحات يا صديقي.

    Liked by 1 person

اترك رداً على MohammedK إلغاء الرد